التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل يفعل الجولاني ما عجزت عنه المعارضة السورية طوال السنوات الماضية؟



في خضم المشهد السوري المعقد، يبرز اسم أبو محمد الجولاني كأحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل، ليس فقط بسبب ماضيه المرتبط بتنظيم القاعدة عبر جبهة النصرة، بل أيضاً بسبب تحوّله الاستراتيجي الذي جعله لاعباً رئيسياً في شمال غرب سوريا. فبعد أن تنكّر للجذور الجهادية العابرة للحدود، أعاد تشكيل نفسه عبر تنظيم هيئة تحرير الشام، ليصبح قوة عسكرية وسياسية محلية، تعمل على الأرض جنباً إلى جنب مع أبناء المنطقة، في مواجهة نظام الأسد.

اليوم، يبدو أن الجولاني يسعى إلى ما عجزت عنه المعارضة السورية على مدار أكثر من عقد: بناء كيان سياسي وعسكري مستقر داخل الأراضي السورية، في منطقة تضم نحو أربعة ملايين نسمة، وبموارد مالية محدودة، نجح في تأسيس حكومة الإنقاذ التي أطاحت بالحكومة الانتقالية المدعومة من الائتلاف، ذلك الكيان الذي ظل بعيداً عن نبض الشمال السوري، ويعمل من خارج الحدود، فيما الجولاني يرسّخ قاعدة نفوذ على الأرض. وهنا تبرز المعادلة التي طالما أثبتت صحتها في النزاعات: من يملك الأرض يملك القرار.

منذ دخول الجيش الروسي سوريا بتاريخ 30/9/2015 وتوقيع اتفاقات الاحتواء مع فصائل الجنوب، بدا أن المعارضة التقليدية فقدت زمام المبادرة، بينما اختار الجولاني طريقاً مختلفاً: بناء دولة داخل الدولة، مع خطاب سياسي يلمّح إلى أن مفاتيح دمشق لن تبقى في يد الأسد إلى الأبد. ورغم أن هذه المهمة محفوفة بالمخاطر، فإنها تبدو أكثر واقعية من رهانات الائتلاف ومؤسساته التي تآكلت بفعل الضعف والانقسام.

الجولاني، الذي لا يزال اسمه الحقيقي مجهولاً للكثيرين، قد يتحوّل في يوم من الأيام إلى قائد جيش يطرق أبواب دمشق، في مشهد يغيّر قواعد اللعبة. فهل ينجح في تحقيق ما فشلت فيه المعارضة السورية طوال سنوات؟ أم أن مشروعه سيظل محصوراً في حدود إدلب، رهينة التوازنات الإقليمية والدولية؟

ما هو مؤكد أن الجولاني اليوم ليس مجرد قائد فصيل مسلح، بل مهندس مشروع سياسي يطمح إلى صياغة مستقبل شمال سوريا، وربما أبعد من ذلك. وبينما يراهن على الوقت والواقع الميداني، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكون الرجل الذي يكتب الفصل الأخير في قصة الأسد؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...