التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صدمة الأخلاق الزائفة.. حين تستيقظ الحكومات العربية

ليس مستغربًا أن يعلو الحديث عن الأخلاق والقيم الإنسانية في ظل الإبادة الجماعية المروعة التي ترتكبها "إسرائيل" بحق الفلسطينيين. كما لا يثير الدهشة حجم الدعم الدولي، الأوروبي والأمريكي، الذي يتدفق بسخاء لتمكين هذه الإبادة.

لكن الغريب حقًا، والمثير للدهشة والاستنكار، هو تفاجؤ الحكومات العربية والإسلامية - قبل الحكومات الغربية - بالقسوة والوحشية التي تعاملت بها "القوات الإسرائيلية" مع أصحاب الأرض الفلسطينيين. هؤلاء الذين ما زالوا يطالبون بحقهم الأصيل في العيش بكرامة على أرضهم، بحقهم في الحياة الآمنة، وبحقهم المشروع في مقاومة الاحتلال والهجرة اليهودية إلى فلسطين.

قد تكون هذه الحكومات قد استيقظت للتو على هول هذه الوحشية، بعد سنوات قليلة من "شهر العسل" الذي شهدته المنطقة. سنوات طبعت فيها بعض الدول العربية علاقاتها مع "إسرائيل" على أمل تصفير المشكلات السياسية والعسكرية في المنطقة، وبمحاولة "تأهيل" هذا الكيان ليفكر ويتعامل كدولة متحضرة مع دول وشعوب المنطقة.

ما فعلته الدول العربية خلال تلك المرحلة الوجيزة من "السلام الزائف" كان محاولة يائسة لدمج "إسرائيل" في محيطها العربي والإسلامي، لتصبح كيانًا مقبولًا، ومحاولة للتعامل معها كدولة متعددة الديانات والأعراق، على غرار بقية دول المنطقة. لكن "إسرائيل" أبت واستعصت على هذا الدمج.

فهي ترفض بشكل قاطع مبدأ الدولة الواحدة متعددة الأعراق أو الديانات، لأنها دولة تأسست على أساس ديني حصري، ولا تعترف إلا بالديانة اليهودية، وتنظر باستعلاء إلى باقي الديانات، سواء كانت إسلامية أو مسيحية. كما ترفض "إسرائيل" مبدأ الدولتين، لأن وجود دولة فلسطينية، ولو على جزء يسير من الأرض التاريخية، سيبقى تذكيرًا دائمًا للعالم بأرض فلسطين وشعب فلسطين، الأرض التي سرقها حفنة من المجرمين، وسكت عن جريمتهم المستفيدون وتجار الحروب.

إن هذه "الصدمة" المتأخرة للحكومات العربية والإسلامية تكشف عن قصر نظر مريع، أو ربما عن تجاهل متعمد لحقائق تاريخية وراهنة واضحة كالشمس. كان من الواجب أن يكون واضحًا منذ البداية أن كيانًا قام على الإحلال والتهجير والعنصرية الدينية لا يمكن أن يتحول فجأة إلى حمامة سلام متحضرة.

إن ما نشهده اليوم في فلسطين ليس مجرد "صراع" أو "نزاع حدودي"، بل هو إبادة جماعية ممنهجة، تجري على مرأى ومسمع العالم، وبدعم مباشر من قوى تدعي الحضارة وحماية حقوق الإنسان. إن صمت المجتمع الدولي، وتواطؤ بعض الأنظمة العربية، لن يمحو حقيقة أن فلسطين أرض عربية إسلامية مسيحية يهودية، وأن شعبها سيظل يناضل من أجل حقه في الحياة والحرية والعودة إلى دياره المسلوبة.

إن "الصدمة" الحقيقية يجب أن تكون صدمة ضمير تستفيق بها هذه الحكومات من سباتها العميق، وتدرك أن الرهان على "تأهيل" كيان عنصري هو رهان خاسر. الطريق الوحيد لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة يمر عبر إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى ديارهم، لا عبر تجميل وجه الاحتلال والتغاضي عن جرائمه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...