تتصاعد الاتهامات الغربية لإيران بتمويل هجمات حركة حماس، لكن
طهران تنفي بشدة أي صلة لها بعملية "طوفان الأقصى" في السابع من
أكتوبر/تشرين الأول. بل ذهب حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله والناطق غير
الرسمي باسم إيران في المنطقة، ليؤكد أن العملية فلسطينية خالصة بنسبة مئة بالمئة.
في هذا الإنكار العلني، يكمن منطق الحرب غير المباشرة التي
تديرها إيران مع إسرائيل. فمن الطبيعي أن تنفي طهران، وأن يتنصل حزب الله (ذراعها
القوي في لبنان) مما حدث، لأن المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية ليست حربًا
تقليدية بين دولتين، بل هي حرب بالوكالة، حرب عن بعد تُدار بخيوط خفية.
تمويل إيران لحماس ليس سرًا يخفى على أحد في الأوساط
الاستخباراتية والسياسية. وبالمقابل، فإن قصف إسرائيل المتواصل لمواقع إيرانية في
سوريا ليس هو الآخر لغزًا. تستمر هذه المناوشات العسكرية بين الطرفين، وكأنها
عملية "تقطيع لحم" بطيئة ومنهجية من جسد المنطقة.
قد لا يكون هذا المصطلح "تقطيع اللحم" أكاديميًا أو
سياسيًا بامتياز، لكنه يجسد واقعًا مريرًا نعيشه في هذه البقعة من العالم. منطقتنا
تحولت إلى ما يشبه الذبيحة، يتناول منها الطرفان الإيراني والإسرائيلي حصصًا
متفرقة. يسعى كل منهما إلى تسجيل نقاط على الآخر، وإظهار التفوق، لكنهما يتجنبان
بعناية توجيه ضربات مباشرة في العمق. بدلًا من ذلك، يركزان على ضرب مصالح بعيدة
المدى، مصالح تبقي الطرفين في حالة تأهب وترقب لما سيحدث تاليًا.
أما ما يحدث جانبيًا، من قتل وتدمير وحتى إبادة إنسانية في
مناطق الصراع المختلفة، فهو ليس سوى آثار جانبية لهذه الحرب بالوكالة. يبدو وكأن
الشعوب العربية التي تموت كل يوم في هذه المنطقة لا قيمة لها في معادلة الصراع
الكبرى. جريمتها الوحيدة أنها تسكن هذه الأرض، وتعيش فيها، ومتمسكة بهويتها
ووجودها.
تكمن المشكلة الكبرى في السؤال الملح: ماذا سيحدث عندما ينتهي
"لحم الذبيحة"؟ إلى أين ستنتقل المواجهات التالية؟ وأين ستوجه الضربات
القادمة لمصالح الطرفين المتنازعين؟ هل ستتوسع دائرة الصراع لتشمل مناطق جديدة؟
وهل ستجرؤ إيران وإسرائيل في نهاية المطاف على مواجهة مباشرة، تاركين وراءهما
وكلاءهما؟
إن مستقبل المنطقة معلق على هذه الأسئلة المقلقة. فبينما ينشغل
اللاعبون الإقليميون والدوليون بتقطيع أوصال "الذبيحة"، يدفع سكان هذه
الأرض الثمن الأغلى من أرواحهم ودمائهم ومستقبل أجيالهم. يبقى الأمل معلقًا على
صحوة ضمير عالمية تضع حدًا لهذا العبث الدموي، وتوجه الجهود نحو حلول سياسية عادلة
وشاملة تنهي هذا النزيف المستمر.
تعليقات
إرسال تعليق