لم تستطع المعارضة السورية، بجناحيها السياسي والعسكري، أن
تستثمر الفرصة التاريخية التي أتيحت لها بشغل مقعد سوريا في الجامعة العربية. فمنذ
تلك الكلمة العاطفية التي ألقاها معاذ الخطيب، والتي حملت في طياتها استعلاءً غير
مبرر على الملوك والحكام العرب، بدأت المعارضة تفقد تلك الورقة الرابحة. في عالم
السياسة، لا مكان للعواطف الجياشة، بل هناك مخططات واستراتيجيات واتفاقيات تُبرم
خلف الأبواب المغلقة.
لم تحمل كلمة الخطيب آنذاك أي رؤية استراتيجية واضحة أو خطة
مستقبلية قابلة للتطبيق. والنتيجة واضحة اليوم: المقعد الذي شغلته المعارضة لفترة
وجيزة استرجعته حكومة دمشق، أو النظام السوري كما يفضل البعض تسميته، بعد موافقة
عربية، وإن لم تكن بالإجماع، لكنها بالأكثرية الواضحة.
والمثير للاستغراب بعد كل هذه التطورات هو أن نرى ونسمع ونقرأ
لومًا وعتابًا واستنكارًا من بعض أطياف المعارضة للدول العربية، لأنها وافقت مرة
أخرى على عودة الرئيس السوري إلى المقعد السوري. يبدو أن المعارضة السورية لم
تستوعب بعد حقيقة أساسية في عالم السياسة: أي حق يجب أن يُنتزع بالقوة العسكرية
(وهذا ما قد يثبته المستقبل القريب أو البعيد)، وبالدهاء والمكر السياسي المحسوب.
وأي قرار يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد، بخطوات واضحة ومدروسة
للوصول إلى الهدف المنشود. فالأمنيات والأفكار المجردة، إن لم تقترن بالفعل المؤثر
على الأرض، لن تجد آذانًا صاغية أو اهتمامًا حقيقيًا من أحد.
منذ اللحظات الأولى لتشكل أي جسم معارض، سواء كان خارج سوريا أو
داخلها، لم يستطع عناصر وسياسيو "المعارضة" تجاوز خلافاتهم الداخلية
وصراعاتهم على النفوذ والمكاسب. بل وصل بهم الأمر إلى تحويل منصات التواصل
الاجتماعي إلى ساحة لعرض غسيلهم الوسخ على الملأ، أمام أنظار المؤيدين والخصوم على
حد سواء.
لم تستطع هذه المعارضة أن تخلق رأيًا واحدًا أو موقفًا موحدًا
تجاه ما تريده لسوريا المستقبل. بل أبدعت، وبكل جدارة، في تفريق المدن والقرى
السورية، وزرع بذور الشقاق والفتنة بين أبناء الوطن الواحد. وبأفعالها وأقوالها
المتناقضة والمتناحرة، استطاعت أن تخلق حالة من النفور والكراهية تجاهها في أوساط
واسعة من الشعب السوري.
إذًا، فالنتيجة التي وصلنا إليها اليوم، بعودة مقعد سوريا إلى
الحكومة الحالية، تُعد نتيجة منطقية حتمية للتشتت والتفرقة والتناحر السياسي الذي
اتسمت به المعارضة السورية. إنها نتيجة متوقعة لأشخاص تعلموا الإقصاء والإجبار
كأدوات للتعامل مع الآخر، ونتيجة طبيعية لمجتمع لم يتعلم بعد ثقافة التكاتف
والتعاون فيما بينه لتحقيق هدف مشترك. ربما علينا أن نتعلم أن الوحدة والرؤية
الاستراتيجية والعمل المؤسسي المنظم هي مفاتيح النجاح في عالم السياسة، أما
العواطف المجردة والصراعات الداخلية فلا تجلب سوى الخسارة والضياع.
تعليقات
إرسال تعليق