التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

حكمة العقلاء في وجه الفتنة.. الدروز ووحدة الصف الوطني

لطالما عرف عن الدروز في سوريا وعيهم الوطني العميق وحرصهم على وحدة البلاد وسلامة أراضيها. تاريخهم يشهد على وقوفهم في وجه التحديات والمحافظة على النسيج الاجتماعي المتنوع لسوريا. وفي خضم الأحداث الصعبة التي مرت بها البلاد، ظل غالبية الدروز وعقلائهم على هذا النهج الوطني الأصيل، مؤكدين على الانتماء للدولة ورفض أي مشاريع تهدف إلى تمزيق الوطن. إلا أن قلة قليلة، محسوبة على عصابات الأسد سابقًا وتتوافق مع أفكار الفلول، حاولت استغلال الظروف لخدمة أجندات مشبوهة ودعوات انفصالية لا تخدم مصلحة الدروز قبل غيرهم. هذه الفئة الضالة، التي تدرك تمام الإدراك خطورة الانزلاق نحو التقسيم، سعت إلى بث سموم الفتنة في محاولة يائسة لشق الصف الوطني. وكان حادثة شتم النبي صلى الله عليه وسلم المؤسفة، والتي ارتكبها عسكري سابق محسوب على هذه الفئة المأزومة، الشرارة التي أشعلت غضبًا شعبيًا واسعًا. هذا الفعل المشين، الذي يمس صميم معتقدات غالبية السوريين، استغلته تلك الفئة المحدودة لإثارة النعرات الطائفية ومحاولة جر الدروز الحياديين أو الوطنيين إلى مربع التكتل الطائفي الذي يرفضونه. لكن فطنة العقلاء من أبناء الطائفة الد...

صدى الماضي في حاضر متأزم

في خضم الأحداث المتسارعة على الساحة العربية والإقليمية، يطل علينا الماضي فجأة عبر تسريب صوتي يُنسب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ليعود اسمه إلى الواجهة ويثير جدلاً واسعاً. وبغض النظر عن مدى صحة التسجيل وتوقيته، فإن مجرد تداوله يفتح الباب واسعًا أمام استحضار حقبة محورية في تاريخ العرب، واستعادة نقاشات لم تحسمها الأيام حول طبيعة العلاقات بين مصر في عهده ودول الخليج العربي وسوريا، وكذلك موقفه من القضية الفلسطينية، وتأثير ذلك على حاضرنا في ظل التطورات الراهنة التي تشهدها المنطقة. بين الوحدة الطموحة والتحديات الواقعية لطالما شكلت العلاقات بين مصر بقيادة جمال عبد الناصر ودول الخليج العربي وسوريا محورًا أساسيًا في السياسة الإقليمية، إذ تجسدت حقبة المد القومي العربي في حلم الوحدة والتكامل، وهو ما انعكس في تجربة الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا. إلا أن هذه التجربة، رغم طموحها، اصطدمت بتحديات الواقع السياسي والاختلافات في الأنظمة والأولويات لتنتهي بعد سنوات قليلة. وفي كثير من الأحيان، اتسمت العلاقة مع دول الخليج بالتوتر بسبب اختلاف الرؤى السياسية بين القومية الناصرية والأنظمة المل...

عودة "الفاتح" المزعوم وذاكرة السوريين المثقوبة

خرج رامي مخلوف عن صمته المطبق، أو هكذا يُقال. والمثير للسخرية في الأمر، إن صحت الأنباء والصفحة المنتسبة إليه، أنه أطل برأسه وكأنه "الفاتح" القادم، المنقذ المنتظر. لكن ما قرأه من تتبعوا هذا الظهور المفاجئ لم يكن سوى خليط من الأوهام، وتقديم لذريعة جاهزة على طبق من ذهب لجولة جديدة من القمع والعنف . في الساحل السوري، لم يصدق كثير من الأصدقاء والزملاء السابقين هذه "العودة". بل إن الرغبة في التصديق معدومة، فذاكرة هؤلاء الناس لا تزال تحتفظ بمرارة التجربة. "من يجرب المجرب عقله مخرب!"، هكذا يلخصون موقفهم. لقد خبروا سلطة الرجل وسطوته، حين كان نفوذ آل مخلوف في أوجه، ولم يجدوا فيها ما يروي ظمأهم للعدل أو الكرامة. بل إن كثير منهم ذاقوا مرارة إذلاله، وزُج بهم في صراعات عبثية مع أطياف سورية أخرى، خدمةً لأجندات النظام الضيقة . لا عودة إلى الوراء، هذه هي القناعة الراسخة لدى هؤلاء الذين اكتووا بنار الماضي. كل ما يصبون إليه اليوم هو العيش بأمان وكرامة في وطن مزقته الصراعات. يتذكرون جيدًا، أن من لم يكن فيه خير لأهله وجيرانه ومحيطه عندما كان في قمة جبروته المالي والنفوذي...

دليل البقاء على قيد الحياة في عصر "التريند"

يا له من زمن عجيب! زمن تتغير فيه القيم أسرع من تحديثات تطبيقات هواتفنا الذكية. زمن أصبح فيه "الفولو" أهم من الولاء، و"اللايك" أصدق من العناق، و"الستوري" هو السجل التاريخي الحقيقي لحياتنا. دعونا نتأمل سويًا هذه القيم الجديدة التي يرسم بها شباب اليوم ملامح عالمنا الساخر . في الماضي العتيق (أي قبل عشر سنوات لا أكثر)، كانت قيمة "الاجتهاد" تحتل مكانة مرموقة. كان الآباء يوصون أبناءهم بالسهر على الكتب، وتسلق سلم المجد درجة درجة بعرق الجبين. أما اليوم، فالاجتهاد قيمة "أوت ديت". لماذا تتعب نفسك وأنت تستطيع أن تصبح "مؤثرًا" بين ليلة وضحاها بنشر بضعة فيديوهات "ريلز" مبتذلة أو تحديات رقص مهزوزة؟ النجاح الحقيقي يقاس بعدد "المشاهدات" لا بعدد الشهادات. أما قيمة "التواضع" التي كان يرددها الحكماء، فقد أصبحت عملة نادرة في سوق القيم الجديد. التواضع؟ يا له من مفهوم بالٍ! كيف ستلفت انتباه "الفانز" وأنت تخفض صوتك وتخفي إنجازاتك (الوهمية غالبًا)؟ القاعدة الذهبية اليوم هي: نافخ نفسك بنفسك، وإذا لم تفعل، س...

بذرة الثقة الفطرية ورحلة التلاشي في متاهات البشر

 ف في البدء، لم تكن الثقة يومًا مجرد رداء نرتديه أو قناع نتخذه، بل هي النواة الصلبة التي تشكل جوهر علاقاتنا الإنسانية، تنبت مع أول شهقة لنا في هذا العالم. إنها تلك الحالة العذراء من التسليم المطلق، الإيمان العميق بالآخر دون أدنى شك، والتي تتجلى في أروع صورها في براءة الطفولة الصافية. لكن، وكما تتغير الفصول وتذبل الأزهار، تبدأ هذه الثقة الفطرية رحلة انحدار بطيئة، تتآكل تدريجيًا تحت وطأة الأيام، وتراكم الخيبات، ومخالطة أصناف شتى من بني البشر، لتصبح مع كل تجربة مريرة جوهرة نفيسة، نخشى فقدانها وندر وجودها. أتذكر جيدًا، في سنواتي الأولى، كيف كانت الثقة هي اللغة الوحيدة التي أفهمها. عندما كنت أعقد صداقة مع طفل آخر في الحي، كان الأمر بمثابة ميثاق أبدي، لا يخالطه شك أو ريبة. لكن سرعان ما بدأت صدمات الواقع الصغيرة تتوالى. أتذكر صديقي "الوفي" الذي كذب علي ليحصل على لعبتي المفضلة، أو ابن عمي الذي نكث بوعده بزيارتي. في تلك اللحظات الأولى، كان السؤال يتردد في ذهني ببراءة ممزوجة بالوجع: "لماذا فعل فلان ذلك؟ هو صديقي! هو عائلتي!". هنا، بدأت بذرة الوعي تنمو بداخلي، تعلمني درسًا ق...

عندما تصبح الخيانة وجهة نظر

  من منا لم يتعرض للخيانة؟ من منا لم يشعر بذلك الألم الصامت الذي يتسلل إلى القلب، عندما يُطعَن من حيث لا يتوقع؟  الخيانة ليست فعلاً عابرًا، بل جرحٌ يتسع مع الوقت، ويدفعنا إلى إعادة النظر في أنفسنا وفيمن حولنا. خيانة وطن، خيانة عائلة، خيانة زوج أو صديق أو حتى زميل عمل... تختلف الأشكال، لكن يبقى الجوهر واحدًا: كسْر للثقة وتشويه للصدق. عندما نتعرض للخيانة، نغوص في دوامة من التساؤلات: هل أنا المخطئ؟ هل هناك ما قمت به دفع الطرف الآخر للخيانة؟ أم أن الخلل في ذلك الشخص الذي اختار أن يطعن بدلاً من أن يواجه؟ هذه الأسئلة لا تُطرح فقط من باب الفضول أو التبرير، بل من عمق القهر الإنساني الذي يرافق فعل الخيانة. في جلسة مع بعض الأصدقاء، استغرقنا الحديث في تحليل هذا السلوك الغريب عنا، والذي – للأسف – أصبح شائعًا حتى يكاد يُبرَّر أحيانًا وكأنه "وجهة نظر". ومن هذا الحديث خرجنا بثلاثة عوائق رئيسية قد تمنع الشخص من ارتكاب الخيانة، رغم أن دوافعها كثيرة، تبدأ من الرغبة، ولا تنتهي بالمبررات. 1 . الرادع المجتمعي : وهو أول ما يمنع الإنسان من الخيانة في سلوكياته الظاهرة. المجتمع، بعاداته وتقال...

سيلفي مع الرئيس ودهشة القرية: دروس في السلطة والتركيز الضائع

ف في حكاية طريفة قادمة من إحدى دول أوروبا الشرقية، تختزل الكثير عن طبيعة السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم، رأت امرأة ريفية جمعًا من الناس يتهافتون لالتقاط الصور مع شخص ما. ببساطتها الفطرية، تقدمت هي الأخرى والتقطت صورة "سيلفي" عفوية. ثم سألته بفضول الريف: "كأنك شخص مهم، ولماذا يلتقط الناس الصور معك؟!". فأجابها الرجل بابتسامة عريضة وعفوية أكبر: "أنا رئيس الدولة!". ضحك الرئيس وعانق المرأة العفوية وأكمل طريقه. هذه الواقعة، ببساطتها وعمق دلالتها، تحدث في دولة كانت يومًا ما جزءًا من منظومة تتغنى بالمركزية والسلطة المطلقة، منظومة حاولت دول أخرى محاكاتها بنظم سياسية دكتاتورية وأيديولوجيات حزبية متشددة. لكن هذه اللحظة العابرة تكشف عن تحول محتمل في الوعي، أو على الأقل، عن بقايا فطرة سليمة ترى في رئيس الدولة مسؤولًا عن خدمة المجتمع، وصاحب منصب إداري متداول، يخضع لإرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع. حين يسود هذا الفهم، يصبح من الصعب على أي شخص أن يفرض إملاءاته أو دكتاتوريته أو يسعى لتدجين المجتمع وفقًا لمنهجه الخاص. على الجانب الآخر من الصورة، نشهد في منطقتنا العربية، ...