التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

بين الجولاني والأسد... صراع رجلين في بناء دولتين

في قلب سوريا، وعلى أنقاض حربٍ مدمّرة مزّقت البلاد، شنتها قوات النظام السوري بدعم من الحرس الثوري الإيراني وميليشياته في المنطقة، إلى جانب الطيران الروسي، ضد الشعب السوري .. يتشكل مشهدٌ سياسيٌّ متناقض بين رجلين: أبو محمد الجولاني (مجهول الاسم)، قائد هيئة تحرير الشام في إدلب، وبشار الأسد (مجهول النسب)، رئيس النظام السوري في دمشق. كلاهما يسعى لبناء "دولة"، لكن الفارق بينهما شاسع، ليس فقط في الوسائل، بل في الغايات، والشرعية، وحتى في نظرة الناس إليهما . دولة تحت النار رغم الغموض الذي يحيط بهويته الحقيقية، استطاع الجولاني أن يتحول من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة، يحاول فرض نموذج حكم في إدلب، شمال غرب سوريا. في منطقة محاصرة بالقصف الروسي والهجمات الإيرانية، بدأ الجولاني بإرساء دعائم "دولة خدمات"، تعتمد على الجمارك والضرائب كمصادر دخل، وتقدم خدمات حياتية للسكان، من كهرباء ومياه وتعليم، إلى مشاريع بنية تحتية . يحاول الجولاني كسب شرعيته من الناس، لا من الخارج. فخطابه تغيّر، وملامح سلطته بدأت تأخذ شكلًا إداريًا أكثر منه عسكريًا. ورغم الانتقادات، فإن إدلب اليوم تبدو أكثر تنظيمً...

جريمة متجددة بلا مُتهم في وطن النسيان

منذ أيام، استرجعت ذاكرتي شريطًا تلفزيونيًا قديمًا، مسلسل "الإخوة" الذي أنتج عام 1994. في حلقته الأولى، يجسد الفنان بسام كوسا شخصية حسام، الصحافي الشجاع الذي ينطلق في رحلة بحث مضنية عن المتسبب الفعلي في حرائق غابات الساحل السوري، محاولًا كشف المستفيد الخفي من هذه الكارثة البيئية والاقتصادية. تتصاعد وتيرة الأحداث في المسلسل مع رفض رئاسة التحرير نشر التحقيق الذي توصل إليه حسام، والذي يحمل أسماء المتهمين بارتكاب تلك الجريمة النكراء. لكن المفارقة الصادمة، والوجع الحقيقي الذي يكمن هنا، هو أن الجريمة التي كان يبحث عنها الصحافي "كوسا" قبل ثلاثة عقود، تتكرر بنسق شبه سنوي على امتداد ساحلنا السوري الجميل، وبلغت ذروتها المأساوية في عام 2020 عندما التهمت النيران مناطق واسعة وممتدة من غاباتنا الخضراء. في كل عام، تتكرر المأساة، تتصاعد ألسنة اللهب لتلتهم الأخضر واليابس، تخلف وراءها سوادًا قاتمًا ورائحة رماد خانقة. تحترق الأشجار المعمرة، وتتضرر البيئة، وتخسر المجتمعات المحلية مصدر رزقها وجمال طبيعتها الخلابة. لكن، وعلى مدار هذه السنوات الطويلة، لم يُجرم أحد بشكل حقيقي، ولم تتهم السل...

هل يرث الثائر دكتاتورية خصمه؟!

في خضم نقاش عابر مع أحد المعارضين حول قضية ما، صعقت بحدة رد فعله. كيف لي أن أجرؤ على معارضة قامة معارضة "فذة" مثله، شخص أفنى سنوات عمره، حسب زعمه، في صفوف المعارضة؟ تسلل إلى ذهني سؤال ملح: إذا ما كتب لهذا المعارض النصر يومًا ما على "النظام" الذي يكافحه، فهل سيتحول إلى موالٍ "فذ" بنفس القدر؟ وهل سيطبق عن طيب خاطر مبادئ الديمقراطية التي ينادي بها منذ نصف قرن، كما يدعي؟ أم أننا سنشهد تجسيدًا آخر لحكم الحزب الواحد، والرأي الواحد الأوحد، والشخص الأوحد المتفرد بالسلطة؟ لقد كانت الثورة، في جوهرها، للجميع. لكن يبدو أن هذا المعارض بالذات يرى فيها ملكًا شخصيًا، غنيمة حرب يجب أن يستأثر بها وحده، ويقصي كل من يختلف معه أو ينافسه الرأي. إن هذا التفكير الإقصائي يثير قلقًا عميقًا. فالتاريخ مليء بالأمثلة عن ثوار أطاحوا بدكتاتوريات ليقيموا دكتاتوريات أخرى أشد وطأة. الخطر الحقيقي يكمن في تحول المعارض المتصلب إلى سلطوي متغطرس بمجرد أن تتاح له فرصة الوصول إلى السلطة. الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على احتكار الحقيقة أو تكميم الأفواه المعارضة. إنها تتطلب سعة صدر، وقبولًا للتعددية...

مظلومية الشعوب الأبدية.. حين يتحول الضحايا إلى جلادين

لا تنتهي قصة المظلومية لشعب ما بسهولة، بل غالبًا ما تستمر وتستفحل، حتى لو وصل من ادعى المظلومية يومًا ما إلى سدة الحكم وأصبح هو نفسه ظالمًا مستبدًا. يبدو أن جرح المظلومية عميق الغور، يورث أجيالًا من الغضب والانتقام، ويشوه النفوس حتى تتحول الضحايا بالأمس إلى جلادين اليوم، وتستمر الدائرة المفرغة من العنف والقهر، حتى لو سيطروا على الأرض والبشر والمال. إن الشعور بالظلم والقهر يترك ندوبًا عميقة في الروح الجمعية للشعوب. يتحول هذا الشعور إلى إرث ينتقل عبر الأجيال، يتغذى على الذاكرة التاريخية وعلى استمرار مظاهر التمييز والإقصاء. حتى عندما تتاح الفرصة لمن عانوا من الظلم للوصول إلى السلطة، فإنهم غالبًا ما يحملون معهم تركة ثقيلة من المرارة والرغبة في الانتقام، مما يجعلهم عرضة لتكرار نفس الممارسات القمعية التي عانوا منها في الماضي. يبدو أن المظلومية، بمجرد أن تتجذر في وعي شعب ما، تصبح قوة دافعة لا تهدأ. حتى لو تحقق الظاهري من مطالبهم وسيطروا على مقاليد الأمور، فإن شبح الماضي يظل يطاردهم، يدفعهم إلى ممارسة سلطة مطلقة خشية عودة الظلم إليهم، أو ربما بدافع الرغبة في تعويض سنوات الحرمان والقهر بطرق...

الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع مؤشرات الخسائر

  في ظل انتشار جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية الخطيرة، تشهد الأسواق المالية حول العالم تراجعاً حاداً في مؤشرات البورصات، مما يتسبب في خسائر فادحة وغير متوقعة للمستثمرين. كما تواجه البنوك تحديات كبيرة في الحفاظ على سيولتها وسط ركود اقتصادي يهدد استقرار القطاعات المختلفة. وتزداد مخاوف الحكومات وأصحاب الأعمال من تفاقم الخسائر مع توقع كساد اقتصادي خلال الأشهر الستة المقبلة إذا استمرت الأزمة.   أحد أكثر القطاعات تضرراً هو اقتصاد الخدمات ، الذي يعتمد على تقديم حلول تسهل أعمال الشركات والمؤسسات. فمع تقلص النشاط التجاري، تلجأ العديد من الشركات إلى خفض التكاليف، مما يؤدي إلى إلغاء أو تقليص الخدمات المساندة. وفي المقابل، يبرز الاقتصاد الحقيقي ، وخاصة القطاع الزراعي ، كواحد من أكثر القطاعات مقاومة للأزمات، حيث يواصل عملياته بكامل طاقته لضمان توفير الغذاء للسوق المحلي والعالمي.   تشير الأرقام إلى أن القطاع الزراعي في العالم العربي يستوعب نحو 30 مليون عامل، ويساهم بنحو 6.24% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، لا تزال الفجوة الغذائية في المنطقة مرتفعة، حيث قُدرت قيمتها بنح...

مصر وقطر.. مصالح متضاربة ومصالحة حذرة

شهدت العلاقات المصرية القطرية تقلبات حادة منذ عزل الجيش المصري بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لمحمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، عام 2013. تبادل البلدان الاتهامات، حيث اتهمت مصر قطر بدعم الإخوان، فيما ردت قطر بأن ما حدث كان انقلابًا على الرئيس الشرعي . تصالح وخلافات متكررة : تميزت العلاقات بين البلدين بالخلافات والتشاحن، وتدخلت وساطات خليجية لتهدئة الأوضاع. لكن القطيعة عادت في عام 2017، عندما قطعت مصر والسعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر، متهمة إياها بدعم الإرهاب والتدخل في شؤونها الداخلية. ورغم توقيع مصر على المصالحة الخليجية في قمة العلا عام 2021، إلا أن الحذر لا يزال سيد الموقف . مصالح متضاربة : يعود الخلاف الأساسي بين البلدين إلى دعم قطر لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما تعتبره مصر تهديدًا لأمنها القومي. كما أن التقارب القطري التركي، والقطري الإيراني، يثير قلق القاهرة، التي ترى في ذلك تحالفات إقليمية تتعارض مع مصالحها . قطر وتركيا وإيران : استعانت قطر بتركيا في مواجهة خصومها الخليجيين، وأنشأت أنقرة قاعدة عسكرية في الدوحة. كما أن علاقات قطر مع إيران تشهد نموًا ملح...

كورونا والاقتصاد السوداني.. تراجع مؤقت في العجز وتفاقم مستمر للفقر

واجه الاقتصاد السوداني تحديات جمة في السنوات الأخيرة، وتفاقمت هذه التحديات بشكل كبير مع ظهور جائحة كورونا. فقد أدت الإجراءات الاحترازية التي تضمنت إيقاف العديد من الأنشطة الاقتصادية إلى شلل جزئي في الحركة التجارية والإنتاجية. كما أن القيود التي فرضتها العديد من الدول حدت من قدرة السودان على الاستفادة من مصادر التمويل الخارجية، التي تُعد تقليديًا شريانًا حيويًا للاقتصاد الوطني . في ظل هذه الظروف الاستثنائية، شهد الميزان التجاري للسودان تراجعًا في عجزه بنسبة ملحوظة بلغت 29.5% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2020، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. للوهلة الأولى، قد يُنظر إلى هذا التراجع على أنه مؤشر إيجابي، لكن التدقيق في تفاصيله يكشف عن طبيعته الهشة وغير المستدامة. فالانخفاض في العجز لم يكن ناتجًا عن تحسن حقيقي في أداء الاقتصاد السوداني، بل كان انعكاسًا مباشرًا للظروف العالمية التي خلفتها أزمة كورونا، والتي أدت إلى انكماش حجم التبادل التجاري لمعظم دول العالم . بالنسبة للسودان تحديدًا، فقد انخفضت قيمة كل من الواردات والصادرات. اللافت في الأمر أن نسبة الانخفاض في الواردات كانت أعلى (2...