التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

اختصاص لا انتقاص

عندما يقف أهل الاختصاص في اختصاصهم يبدعون ويبتكرون وتصبح أعمالهم خالدة وأرائهم مسموعة، لكن عكس تلك الفكرة تصبح وبال ومصيبة على المحيطين بذلك الشخص الذي يدخل أنفه بما لا يفقه، إما غباء أو استغباء أو حتى فضول في غير محله. مناسبة كتابتي لتلك الكلمات هي المصيبة التي منينا بها في الصراع السوري، فالكل أصبح سياسي واقتصادي ومرشد اجتماعي وصاحب رأي لا يقبل أن يُخطئه أحد. أصحاب الأقلام أصبحوا كثر، فالفراغ الذي يعيشه البعض يجعلهم يبدون آرائهم بما يعلمون وبما لا يعلمون وب ما لا لم يسمعونه من قبل. فالجميع يحترم القانوني عندما يبدي رأيه في مشكلة قانونية محلية كانت أم دولية، لكن لا يحترمه إن تدخل بشأن سياسي يحتاج من الحنكة ورؤية المستقبل والخداع والتمويه، ويحترم المهندس عندما يكون رأيه منصب باختصاصه حول عقار ما أو مبان أو هندسة طرق وما إلى ذلك، لكن أن يهندس السياسة كما يريد فتلك المصيبة الجلل. وهذا ينصب على أصحاب المهن الأخرى، فهم محترمين بمهنهم واختصاصاتهم، لكن أن يتعدوا أو يخونوا ويسخروا من سياسي أمضى حياته في المعترك السياسي أو في المؤامرات السياسية، ويعرف مداخل ومخارج المصائب السياسية، فتلك ...

اكتشافات رمضانية على الشاشات العربية

يبدو أن الفضائيات العربية تعيش حالة من الصحوة المفاجئة مع كل حلول شهر رمضان المبارك. فبين ليلة وضحاها، تكتشف هذه الشاشات حقائق مذهلة عن جمهورها العربي، حقائق تستدعي تغييرًا جذريًا في برامجها، وكأننا أمة تفقد ذاكرتها السنوية وتعود إلى نقطة الصفر مع كل هلال رمضان جديد . فجأة، تتبادر إلى أذهان القائمين على هذه القنوات حقيقة صادمة: النساء العربيات لا يعرفن أبجديات الطبخ! فتتحول الشاشات إلى ساحات استعراض لأشهى المأكولات، وتقدم لنا طاهيات يشفقن على جهلنا، مؤكدات أنهن سيبدأن معنا "من الصفر" لتعليمنا كيف نقلي بيضة أو نسلق قطعة لحم. يا له من اكتشاف جلل! أين ذهبت وصفات الأمهات والجدات المتوارثة؟ هل تبخرت مهارات الطهي التي لطالما تميزت بها المرأة العربية؟ أم أن الفضائيات ارتأت أننا بحاجة إلى تلقين جديد، ربما برعاية منتجات معينة؟ والأمر لا يتوقف عند حدود المطبخ. فمع نفحات رمضان الروحانية، تكتشف ذات الفضائيات اكتشافًا آخر لا يقل غرابة: الشعب العربي يعاني من فقر مدقع في المعرفة الدينية! فتتحول الشاشات مرة أخرى، هذه المرة إلى منابر وعظ وإرشاد، يستضيفون فيها شيوخًا وعلماء دين ليقدموا لنا جر...

صرخة صامتة في وجه الفقد والضياع

غاص  بقدميه بين ركام منزله، يبحث  الغبار يلف المكان ككفن أبيض، يخفي تحت طياته ذكريات وحياة كانت تنبض هنا قبل لحظات قليلة. بين الأنقاض المتراكمة لمنزله المنهار، غاصت قدما "أبو أحمد" كجذورهما في تربة الوطن التي باتت غريبة. كان يتحرك بهمة محمومة، يجرف بيده قطع الطوب المتناثرة، ينبش الأرض المحروقة بفأس عتيق ومجرفة صدئة، وكأنه يبحث عن كنز دفين. الأصوات من حوله كانت تتعالى بلهجة الخوف والرجاء: "أبو أحمد، ابتعد يا رجل! المكان خطر، القصف قد يعود في أي لحظة!" وجوه شاحبة وعيون قلقة كانت ترمقه من بعيد، تحاول جذبه بعيدًا عن هذا الموت المتربص. لكنه كان أصمًا عن ندائهم، أعمى عن نظراتهم. لم يلتفت، لم يعرهم انتباهًا، بل استمر في بحثه الدؤوب، كمن ضاع منه شيء لا يقدر بثمن. أيامٌ طوال انقضت وهو على هذا الحال. يخرج مع أول خيوط الفجر، يحمل أدواته البسيطة، ويعود مع حلول الظلام، منهكًا، مغبرًا، لكنه لم يستسلم. كان ينبش الركام طبقة بعد طبقة، وكأن الأرض تخفي سرًا لا يمكن البوح به إلا له. تساءل الجميع عن سر هذا الإصرار، عن هذا الشيء الثمين الذي يجعله يتحدى الخطر ويعرض حياته للموت ال...

القتلة الصامتون وغربة الروح وجريمة التجاهل

"طبعًا لم أقتل أحد..." نبدأ بهذه العبارة دفاعًا عن الذات، لكن سرعان ما يلاحقنا شبح أفعالنا اليومية، نحن المغتربين، ليذكرنا بأننا نمارس فعل القتل بصمت، دون إرادة واعية في أغلب الأحيان، من خلال نمط حياتنا الجديد الذي انفصل قسرًا أو اختيارًا عن واقع وطننا المشتعل. لقد طويت صفحة عام 2010 بتقلباتها، لكن التغييرات التي عصفت بمجتمعاتنا السورية اقتحمت حياتنا دون استئذان، تاركةً إيانا ممزقين بين داخل قسري وخارج اختياري أو قسري بالقدر ذاته. فالداخل السوري نفسه منقسم على نفسه: مناطق تحت سيطرة نظام، يكافح غالبيته لكسب قوت يومه بينما قلة تستغل هذا الكفاح، ومناطق أخرى خارج سيطرته، تعيش في ظروف يعلمها الله وحده، من قصف مستمر وحصار خانق إلى حكم فصائل مسلحة بمختلف ألوانها. أما نحن في الخارج، فمنا من اختار هذه الغربة بحثًا عن حياة أفضل، ومنا من أُجبر عليها خوفًا من الاعتقال أو فقدان الأمل أو بحثًا عن مستقبل آمن لأطفاله، أو تحقيقًا لحلم الهجرة الذي راود شبابنا. لكن بغض النظر عن توصيف حالتنا، فإن كثير منا يمارس القتل اليومي دون أن يشعر بوخز الضمير. شاهدت مؤخرًا عملًا دراميًا سوريًا، رسم ...

المرة الأولى.. وأنا أب

هي المرة الأولى التي أحمل بها طفل رضيع.. وأول مرة أقُبل طفلاً عمره ساعات.. هي المرة الأولى التي أشهد خروج طفل للنور.. بعد أن ودعت أخي في الظلام. عمره دقائق عندما لمسته، وحتى عندما سميته باسم أخي. أخي الذي فقدته قبل ثلاث أيام من ولادة ابني، فقدته في الظلام، إذ لا مكان لنعرف أين الضوء؟! أتانا الخبر، واسم ابني مسجل قبل الولادة بعشرين عام، أتانا أنه في المشفى، ومن المشفى للقبر. وتغير اسم ابني، ليصبح اسم أخي، أخي الذي لم أره منذ ثلاث سنوات، وخلالها سمعت صوته ثلاث مرات لا غير. ليصبح اسم ابني، وصفته ومشاعري، كلها معي، وكلها في حياتي سيان. خلال الستة أشهر، هناك دائما المرة الأولى في حياتي، والمرة الأولى التي تصبح الأرقام لدي أمراً اعتيادي.

ستة أشهر من العشق الطاهر.. رحلة إلى أعماق الأمومة والأبوة

اليوم، وبعد مرور ستة أشهر وخمسة أيام، أي 191 يومًا بالتمام والكمال، يقف كاتب هذه السطور على أعتاب مرحلة جديدة في حياته. ستة أشهر مضت وكأنها حلم عابر، لم يستوعب فيها تمامًا حقيقة وجود هذا الكائن الصغير الذي اقتحم عالمه، واستوطن قلبه منذ ما قبل أن يرى النور . قد يبدو للبعض تناقضًا بين عدم الاستيعاب والتعلق العميق الذي سبق الولادة، لكن هكذا هي طبيعة المشاعر الإنسانية، متقلبة، مختلطة، قادرة على أن تجمع بين النقيضين في لحظة واحدة. نفرح حتى البكاء، نحب ونغضب في آن، مشاعر متداخلة تنسج نسيجًا فريدًا لتجربتنا الإنسانية . وها هو ذا الطفل، بعد ستة أشهر، لا يزال حاضرًا بكل تفاصيله الصغيرة، وكل لحظة تمر ترسخ وجوده في القلب، وتعمق جذوره في المشاعر. تلك المخلوقات الصغيرة التي كانت قبل الزواج مجرد عصافير جنة، نفرح بابتسامتهم ونرضيهم ببضعة نقود وحلوى لذيذة، أصبحت الآن محور الكون، وقصة حب أبدية تتشكل يومًا بعد يوم . فكرة هذه المدونة قديمة، كانت تراودني طويلًا، لكنه آثرت ألا تتحول إلى منبر للآراء السياسية أو التحليلات الاقتصادية الجافة. واليوم، وجدت الدافع للكتابة، الدافع الذي ينبع من أعماق هذا الش...