الأصوات من حوله كانت تتعالى بلهجة الخوف والرجاء: "أبو
أحمد، ابتعد يا رجل! المكان خطر، القصف قد يعود في أي لحظة!" وجوه شاحبة
وعيون قلقة كانت ترمقه من بعيد، تحاول جذبه بعيدًا عن هذا الموت المتربص. لكنه كان
أصمًا عن ندائهم، أعمى عن نظراتهم. لم يلتفت، لم يعرهم انتباهًا، بل استمر في بحثه
الدؤوب، كمن ضاع منه شيء لا يقدر بثمن.
أيامٌ طوال انقضت وهو على هذا الحال. يخرج مع أول خيوط الفجر،
يحمل أدواته البسيطة، ويعود مع حلول الظلام، منهكًا، مغبرًا، لكنه لم يستسلم. كان
ينبش الركام طبقة بعد طبقة، وكأن الأرض تخفي سرًا لا يمكن البوح به إلا له.
تساءل الجميع عن سر هذا الإصرار، عن هذا الشيء الثمين الذي
يجعله يتحدى الخطر ويعرض حياته للموت المحقق. هل يبحث عن ذهب مدفون؟ عن ميراث
عائلي؟ عن صورة عزيزة؟
الحقيقة كانت أبسط وأعمق من كل تلك التخمينات. كان "أبو
أحمد" يبحث عن جواز سفره، ودفتر خدمته العسكرية، وهويته الشخصية. كان يبحث
عما يثبت أنه مواطن لهذا الوطن المنكوب، عما يربطه بهذه الأرض التي ابتلعت بيته
وأحلامه.
في ذلك الخراب الذي لم يترك له مأوى، كان يبحث عن دليل على
وجوده، عن اعتراف بأن له جذورًا هنا، عن وثيقة تقول إنه جزء من هذه الحكاية
الموجعة. كان يبحث عن أوراقه الثبوتية، ليس ليسافر أو يهرب، بل ليحتفظ بحقه في هذه
الأرض، ليؤكد لنفسه وللعالم أنه ليس مجرد رقم بين الضحايا، بل مواطن له تاريخ
وذاكرة وانتماء، حتى وإن لم يبق من وطنه سوى كومة من الرماد.
تعليقات
إرسال تعليق