التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صرخة صامتة في وجه الفقد والضياع

غاص  بقدميه بين ركام منزله، يبحث الغبار يلف المكان ككفن أبيض، يخفي تحت طياته ذكريات وحياة كانت تنبض هنا قبل لحظات قليلة. بين الأنقاض المتراكمة لمنزله المنهار، غاصت قدما "أبو أحمد" كجذورهما في تربة الوطن التي باتت غريبة. كان يتحرك بهمة محمومة، يجرف بيده قطع الطوب المتناثرة، ينبش الأرض المحروقة بفأس عتيق ومجرفة صدئة، وكأنه يبحث عن كنز دفين.

الأصوات من حوله كانت تتعالى بلهجة الخوف والرجاء: "أبو أحمد، ابتعد يا رجل! المكان خطر، القصف قد يعود في أي لحظة!" وجوه شاحبة وعيون قلقة كانت ترمقه من بعيد، تحاول جذبه بعيدًا عن هذا الموت المتربص. لكنه كان أصمًا عن ندائهم، أعمى عن نظراتهم. لم يلتفت، لم يعرهم انتباهًا، بل استمر في بحثه الدؤوب، كمن ضاع منه شيء لا يقدر بثمن.

أيامٌ طوال انقضت وهو على هذا الحال. يخرج مع أول خيوط الفجر، يحمل أدواته البسيطة، ويعود مع حلول الظلام، منهكًا، مغبرًا، لكنه لم يستسلم. كان ينبش الركام طبقة بعد طبقة، وكأن الأرض تخفي سرًا لا يمكن البوح به إلا له.

تساءل الجميع عن سر هذا الإصرار، عن هذا الشيء الثمين الذي يجعله يتحدى الخطر ويعرض حياته للموت المحقق. هل يبحث عن ذهب مدفون؟ عن ميراث عائلي؟ عن صورة عزيزة؟

الحقيقة كانت أبسط وأعمق من كل تلك التخمينات. كان "أبو أحمد" يبحث عن جواز سفره، ودفتر خدمته العسكرية، وهويته الشخصية. كان يبحث عما يثبت أنه مواطن لهذا الوطن المنكوب، عما يربطه بهذه الأرض التي ابتلعت بيته وأحلامه.

في ذلك الخراب الذي لم يترك له مأوى، كان يبحث عن دليل على وجوده، عن اعتراف بأن له جذورًا هنا، عن وثيقة تقول إنه جزء من هذه الحكاية الموجعة. كان يبحث عن أوراقه الثبوتية، ليس ليسافر أو يهرب، بل ليحتفظ بحقه في هذه الأرض، ليؤكد لنفسه وللعالم أنه ليس مجرد رقم بين الضحايا، بل مواطن له تاريخ وذاكرة وانتماء، حتى وإن لم يبق من وطنه سوى كومة من الرماد.

كان بحث "أبو أحمد" صرخة صامتة في وجه الفقد والضياع، تمسكًا يائسًا بآخر خيوط الهوية في عالم تمزقه الحروب. كان يبحث عن ذاته الضائعة بين أنقاض وطنه.

بتاريخ 12/05/2012 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...