التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اكتشافات رمضانية على الشاشات العربية

يبدو أن الفضائيات العربية تعيش حالة من الصحوة المفاجئة مع كل حلول شهر رمضان المبارك. فبين ليلة وضحاها، تكتشف هذه الشاشات حقائق مذهلة عن جمهورها العربي، حقائق تستدعي تغييرًا جذريًا في برامجها، وكأننا أمة تفقد ذاكرتها السنوية وتعود إلى نقطة الصفر مع كل هلال رمضان جديد.

فجأة، تتبادر إلى أذهان القائمين على هذه القنوات حقيقة صادمة: النساء العربيات لا يعرفن أبجديات الطبخ! فتتحول الشاشات إلى ساحات استعراض لأشهى المأكولات، وتقدم لنا طاهيات يشفقن على جهلنا، مؤكدات أنهن سيبدأن معنا "من الصفر" لتعليمنا كيف نقلي بيضة أو نسلق قطعة لحم. يا له من اكتشاف جلل! أين ذهبت وصفات الأمهات والجدات المتوارثة؟ هل تبخرت مهارات الطهي التي لطالما تميزت بها المرأة العربية؟ أم أن الفضائيات ارتأت أننا بحاجة إلى تلقين جديد، ربما برعاية منتجات معينة؟

والأمر لا يتوقف عند حدود المطبخ. فمع نفحات رمضان الروحانية، تكتشف ذات الفضائيات اكتشافًا آخر لا يقل غرابة: الشعب العربي يعاني من فقر مدقع في المعرفة الدينية! فتتحول الشاشات مرة أخرى، هذه المرة إلى منابر وعظ وإرشاد، يستضيفون فيها شيوخًا وعلماء دين ليقدموا لنا جرعات مكثفة من "التثقيف الديني". النتيجة المنطقية التي تروج لها هذه البرامج هي أننا أمة جاهلة بأبسط تعاليم ديننا، وأننا بحاجة ماسة إلى هذا الغيث السماوي المنهمر من الشاشات. تُرى، أين ذهبت دروس المساجد وحلقات الذكر وقراءة الكتب؟ هل أصبحت الفضائيات هي المصدر الوحيد للمعرفة الدينية؟

ولا يتوانى "المكتشفون" عن الغوص أعمق في نفوسنا. فبحلول الشهر الكريم، يتبين لهم أننا أمة بخيلة لا تعرف معنى التبرع والإحسان! فتنتج لنا الفضائيات برامج "خيرية" مؤثرة، تستدر دموعنا وتستحث جيوبنا على العطاء. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه البرامج غالبًا ما تتقاضى أجورًا مادية مقابل إنتاجها، ثم تطلب منا التبرع لصناديق قد يذهب جزء كبير من أموالنا لدعم الدعاية المأجورة لتلك البرامج نفسها! يا له من كرم عربي أصيل!

أما قمة الاكتشافات الرمضانية فتتجلى في التعامل معنا وكأننا نستقبل هذا الشهر الفضيل للمرة الأولى في تاريخ البشرية! تكتظ الشاشات بالأطباء وخبراء التغذية الذين يلقون علينا "نصائح جديدة جدًا" حول كيفية الصيام الصحي، وكأننا لم نسمع عن هذه النصائح بتفاصيلها المملة في رمضان السابق، والذي سبقه، والذي سبقه...

وتستمر هذه السلسلة من الاكتشافات العجيبة مع كل رمضان. يبدو أن الفضائيات العربية تعيد تعريفنا بأنفسنا كل عام، وكأننا كائنات تفقد كل ما تعلمته بمجرد انتهاء الشهر الفضيل، لنعود في العام التالي إلى نقطة البداية، في انتظار اكتشافات جديدة ومفاجآت أخرى. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه الاكتشافات نابعة من حرص حقيقي على تثقيف وتوعية المشاهد العربي، أم أنها مجرد استراتيجية موسمية لزيادة نسب المشاهدة وجذب الإعلانات، مستغلةً قدسية الشهر الكريم وحاجة الناس الروحية؟ الإجابة، ربما، تكمن بين سطور هذه "الاكتشافات" المتكررة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...