التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تداعيات المواجهة الإسرائيلية-الإيرانية المباشرة


 

لأول مرة بتاريخ الصراع الإيراني – الإسرائيلي، تدخل المنطقة مرحلة جديدة، مع تبادل القصف الصاروخي المباشر لأراضي الطرفين، وهذا التحول من "حرب الظل" عَبّر الوكلاء والمواجهات غير المباشرة، إلى المواجهة المباشرة مما يمثل تحويلاً نوعياً في العقيدة الأمنية للطرفين. ويهدد بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

قبل البدء بالتقدير، لابد من تحليل الأبعاد الرئيسة للمواجهة المباشرة:

أ‌-      الأبعاد العقائدية وتوظيفها السياسي: توظف #إيران و #إسرائيل عقيدتها الدينية والسرديات التاريخية الدينية سياسياً، وتَعّد هذه العقيدة أداة أساسية في سياستهما الداخلية والخارجية، وترى كِلا الدولتين، أن وجودهما وتصرفاتهما تحقيقاً لوعد إلهي أو نبوءة دينية، وهو ما يضفي على الصراع الدائر فيما بينهما، طابع وجودي غير قابل للتسوية.

فـ"إيران" تستخدم ولاية الفقيه في تصدير مبادئ ثورتها الإسلامية، فيما تستخدم "إسرائيل" رواية أرض الميعاد لتبرير سياستها العدوانية، ويحشد الطرفان الدعم ويصوران الصراع على أنه معركة مقدسة ضد الشر المطلق.

لكن.. يكمن الاختلاف بينهما في العمق التاريخي، إذ تستند إيران للإرث الحضاري والإمبراطوري الفارسي العريق والممتد لآلاف السنوات، مما يمنح دعواتها عمقاً استراتيجياً وثقة سياسية، بينما تستند إسرائيل لتاريخ مبني على تفسيرات دينية حديثة العهد، حسب رؤية الدول الإقليمية والإسلامية، مما يجعل إسرائيل في حالة سعي دائم لإثبات شرعيتها، عبر القوة العسكرية.

ب‌-   الأبعاد الاستراتيجية والتكتيكية: تخوض #إسرائيل_الحرب_ضد_إيران، بذات الأسلوب والنمط والتكتيك الذي استخدمه مع تنظيمات ما دون الدولة " #حماس و #حزب الله" والذي يتمثل بالضربات الجوية والصاروخية المكثفة لتدمير البنية التحتية العسكرية والاقتصادية، إضافة لعدد من الاغتيالات للقادة العسكريين والسياسيين والعلماء، وتركيزها على الحرب السيبرانية وغيرها..

ويُعّد هذا النمط الإسرائيلي ناجع مع الأذرع الإيرانية "تنظيمات ما دون الدولة"، وتحاول تطبيقه بهدف إعادة هندسة توازن القوى الإقليمية في المنطقة، وهو ما يعكس عقيدتها الأمنية الجديدة التي طورتها بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، والتي استندت للهجوم الاستباقي لإنهاء الخطر قبل تفاقمه.

لكن.. يأتي السؤال، لماذا التصعيد الحالي الآن؟

خاضت إسرائيل وإيران حرباً مستمرة في الظل لسنوات، ومواجهات غير مباشرة عن طريق الوكلاء أو المصالح في الدول الأخرى، "سوريا – العراق – لبنان – مياه الخليج" لكن التصعيد اليوم يأتي بسبب عدد من العوامل، قد يكون أهمها:

1-     العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة، التي تغيرت بعد السابع من أكتوبر 2023، فلم يعد ردع إيران كافياً، مما أدى للحاجة لعمل مباشر، وفرض قواعد اشتباك جديدة.

2-     سوء التقدير السياسية الإسرائيلية، إذ بدأت إسرائيل بالضربات الجوية والصاروخية والاغتيالات، معتقدة أن ضربة حاسمة ومحسوبة لن تؤدي إلى رد مباشر على أراضيها.

3-     الضغوط السياسية الداخلية في طهران وتل أبيب، تمتلك الدولتان عدد لا محدود من الأزمات الداخلية، ما دفعهما لإظهار الحزم أولا، وتصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج ثانياً.

4-     شعور إسرائيل بالقوة بعد هجومها وضرباتها المتتالية ضد حماس وحزب الله ونظام الأسد، واعتبار الظرف الإقليمي والدولي الحالي؛ فرصة سانحة لتوجيه ضربة مركزة واستراتيجية لإيران دون التعرض لعواقب دولية رادعة.

 

السيناريوهات المتوقعة:

من الضروري استبعاد سيناريو الحرب البرية بين الطرفين، وذلك لتكلفتها البشرية والمادية المرتفعة واتساع الأرض الفاصلة بين الدولتين، إضافة لحتمية توقف القصف الصاروخي بعد التدخل الدولي، لذا يُمكن توقع أحد السيناريوهات التالية:

1-     السيناريو الأول "المرجح": العودة لـ "حرب الظل" لكن بقواعد جديدة، إذ وبعد النصر الإعلامي الذي ستحققه الدولتين، ستتدخل القوى الدولية "الولايات المتحدة وروسيا"، لفرض وقف إطلاق النار، في المقابل ستستمر أو تعود حرب الظل، "في #العراق و #لبنان والفضاء السيبراني، وقد تكون في #سوريا و #اليمن"، مع فتح الباب للقصف المباشر كخيار مطروح مرة أخرى على الطاولة.

2-     السيناريو الثاني: قد لا تتوقف الصواريخ بشكل كامل، بل تتحول المواجهة بين الطرفين لحرب استنزاف، أي جولات قصف متقطعة، والهدف بالطبع ليس نصراً حاسماً، بل إنهاء الخصم اقتصادياً وعسكريا، على المدى البعيد، وإبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة، وهذا السيناريو مدمر لاقتصادات المنطقة وسلاسل الإمداد العالمية.

3-     السيناريو الثالث: "الحرب الإقليمية الواسعة" إذ قد يؤدي خطأ في الحسابات، أي قصف أحد الأهداف النووية، أو التسبب في خسائر بشرية كبير أو حتى المراكز الدينية الرئيسية، إلى رد فعل عنيف يُخرج الصراع عن السيطرة، مما يدفع المنطقة إلى حرب إقليمية لا يُمكن التنبؤ بنتائجها.

النتيجة النهائية..

حاجز المواجهة المباشر بين الطرفين قد كُسرّ، ولن تنتهِ هذه المواجهة عبر مفاوضات مباشرة أو رسمية في المدى المنظور، وعلى الأرجح سيصل الطرفان إلى وقف لإطلاق النار غير رسمي بوساطة أطراف ثالثة "الولايات المتحدة وروسيا"، وذلك بعد أن يستنفذ الطرفان أهداف المرحلة الأولى من التصعيد. 

وتُعد نتائج هذه المواجهة بين إيران وإسرائيل، مختلفة عن نتائج حروب إسرائيل مع حماس وحزب الله، إذ تُعد إيران دولة ذات عمق استراتيجية، وقدرات صناعية وعسكرية لا يمكن إنكارها، وما بدأته إسرائيل من قصف، قد يوحد جبهات إيران الداخلية ويزيد من إصرارها على امتلاك قدرات ردع استراتيجية.

#إيران #إسرائيل #طهران #تل_أبيب 

#Israel #tahran #iran

للمزيد حول حرب الظلال: 

https://aamerslam.blogspot.com/2023/11/blog-post_38.html

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...