ت تحول امتناع الرئيس السوري، السيد الشرع، عن مصافحة وزيرة
الخارجية الألمانية إلى مادة دسمة للخلاف والتحليل الإعلامي المستفيض. بل وصل
الأمر إلى حد استجواب كل من سنحت له الفرصة حول هذا "القضية الاستراتيجية
المحورية" التي تهدد الأمن القومي الألماني والسوري، والتي ستُبنى عليها
قرارات مصيرية، وكأن العالم توقف عند هذه اللحظة العابرة.
ببساطة شديدة، يمكن تفسير امتناع السيد الشرع عن المصافحة بأنه
نابع من اختلاف ثقافي وديني وعادات اجتماعية راسخة لدينا. فلماذا إذن يستحوذ هذا
الأمر على الجزء الأكبر من التغطية الإعلامية، بينما نتجاهل حقائق أخرى أكثر
أهمية؟ نتناسى أن هذه الدول نفسها، وقبل أشهر قليلة فقط، كانت تدرس بجدية فتح
سفاراتها وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام السابق في سوريا. بل كانت هناك
محاولات جادة "لتطييب خاطره" و"إعادة تأهيله" - كما وصفوها
ببراعة - ليصبح رئيسًا "صالحًا" من جديد.
من سبق السيد الشرع في سدة الرئاسة كان يصافح النساء - وما
أكثرهن - باليمين مبتسمًا، بينما كانت يده اليسرى ملطخة بالدماء، تُستخدم للقتل
والاعتقال وبيع الأراضي والموانئ والاتجار بالمخدرات. لم تتألم حينها النساء
الألمانيات أو غيرهن من هذه المصافحات الملطخة بدماء الأبرياء، ولم يمتعض
المعترضون من هذه الأفعال الشنيعة التي كانت تحدث بالتوازي مع الابتسامات
الدبلوماسية.
إن مسألة مصافحة اليد من عدمها لا تحمل أي معنى حقيقي لهذه
الدول أمام الأفعال على أرض الواقع. هذه الدول تبحث أولاً وأخيرًا عن مصالحها ودعم
خزائنها ومواطنيها. إنها تسعى جاهدة للحصول على موطئ قدم في هذه البلاد منذ مئات،
بل ربما آلاف السنين، وما زالت مستمرة في هذا المسعى.
امتناع السيد الشرع عن المصافحة هو أمر شخصي ويخصه، كما أنه
مرتبط بالبروتوكولات الجديدة التي سيتبعها. فكما نحترم نحن عادات وثقافات وديانات
الآخرين، فإن أقل ما ننتظره هو احترامهم لعادات وثقافات وديانة الوافد الجديد.
التركيز المفرط على هذه المسألة السطحية يصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية وعن
تاريخ تعامل هذه الدول مع النظام السابق، الذي كان يرتكب أفظع الجرائم بينما كانت
أبوابهم مفتوحة له.
إن هذا الضجيج الإعلامي المصاحب لعدم المصافحة يكشف عن ازدواجية
معايير واضحة. فبينما يتم تضخيم مسألة بروتوكولية بسيطة، يتم تجاهل أو تبرير أفعال
أكثر خطورة وتأثيرًا على حياة السوريين. الأولوية الحقيقية يجب أن تكون للعدالة
والمحاسبة وبناء مستقبل أفضل لسوريا، لا الانشغال بتفاصيل شكلية لا تقدم ولا تؤخر
في جوهر الأمور.
تعليقات
إرسال تعليق