التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبطال من ورق.. تجارة المآسي واسترزاق المنفى


يُحسب للنظام السوري، في سياق الصراع الدامي الذي تشهده البلاد، أنه نجح ببراعة في صناعة "أبطال من ورق" في صفوف المعارضة السورية الواسعة. فبدلًا من أن تكون المعارضة قوة فاعلة وموحدة تسعى بصدق نحو التغيير، تحول جزء كبير منها إلى كيانات وأفراد يقتاتون على مآسي الأمس، ويمتصون أموال الأطراف الأجنبية تحت ستار النضال ضد "النظام القمعي".

هؤلاء "الأبطال الورقيون" يجيدون فن استجداء المعونات والمنح والموافقات الدولية ليضمنوا لأنفسهم مقعدًا مريحًا في "مجتمع المعارضة" المنفي. منذ سنوات طويلة، وهم يستعرضون سيرهم الذاتية المليئة بسنوات الاعتقال والقمع، ويتفاخرون بـ "صمودهم الأسطوري" في وجه "آلة القمع"، متناسين أو متجاهلين حقيقة أنهم يعتاشون منذ تلك الأيام على أموال الأحزاب والجمعيات الممولة خارجيًا. بل إن البعض حول كل يوم قضاه في السجن إلى مصدر رزق دائم، في عملية استثمار للمأساة بعيدة كل البعد عن الشبهات، كما يزعمون. والغريب في الأمر أنهم مستمرون على هذا المنوال، بل يزدادون حدة في التعبير عن الألم في مقالاتهم، وكأنهم يجددون بذلك صك "بطولتهم" واستحقاقهم للدعم.

قام هؤلاء "الأبطال الوهميون" بتشريح المجتمع السوري وتمزيقه إلى أشلاء، ونصّب كل واحد منهم نفسه نبيًا مرسلًا للإصلاح، يقدم الحلول الجاهزة من مقاهي المنفى أو شاشات الفضائيات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل كان لهؤلاء "المنظرين" أي تأثير فعلي على الأرض؟ أم أنهم ظلوا مجرد أصوات صاخبة في "قهوة الروضة" أو "هافانا" الافتراضية، بعيدين كل البعد عن واقع المعاناة اليومية للسوريين؟

منذ أن بدأت الثورة السورية في العام 2011، برزت أسماء غريبة وغير مألوفة في سماء المعارضة. انتشرت المقالات والتحليلات يمينًا وشمالًا، لكن المؤسسات المعارضة المشكلة حديثًا لم تستفد منها شيئًا. وبالمثل، لم تجد الأوساط السياسية المتفاوضة أو المناهضة أو حتى المتوافقة مع مسارات التفاوض بين أطراف الصراع السوري في هذه "البطولات الورقية" أي قيمة مضافة أو رؤية حقيقية قابلة للتطبيق.

إن هذه الظاهرة المؤسفة تكشف عن خلل عميق في بنية المعارضة السورية، حيث طغى الاسترزاق الشخصي والبحث عن المناصب على الهدف الأسمى وهو تحقيق التغيير المنشود. لقد تحول الكثير من "الأبطال" إلى مجرد أدوات في يد مموليهم، يفقدون بذلك استقلاليتهم وقدرتهم على تمثيل تطلعات الشعب السوري الحقيقية. إنها معركة من نوع آخر، معركة ضد وهم البطولة الزائفة التي تعيق أي تقدم حقيقي نحو مستقبل أفضل لسوريا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...