تلك اللحظات التي نُعلق فيها أرواحنا على مشجب الأمل، منتظرين
قدوم شيء ما، هي أثمن وأطول وأجمل وأقبح ما نختبر في رحلة وجودنا. هي لحظات
متناقضة، يغلفها جمال واهم لاعتقادنا الساذج بأن الخلاص يلوح في الأفق بعد عتمتها،
ويقبحها طول أمدها الذي لا يبدو له نهاية، وكأنه عقاب أبدي معلق فوق رؤوسنا.
تلك اللحظات التي يباغتنا فيها غدر القريب، بعد أن أوهمنا بأن
الأمور تسير على خير ما يرام، وغدر الصديق الذي استفسر عن حالنا بابتسامة خبيثة،
وغدر الرفيق الذي سعى للتقرب منا بظاهر الود وباطن الخيانة. هي طعنات تأتي من
الخلف، موجعة لأنها تأتي ممن وثقنا بهم، ممن فتحنا لهم أبواب قلوبنا دون تردد.
تلك اللحظات التي نعلق فيها آمالنا على أكتاف الآخرين، معتقدين
أن الحل يكمن في أيديهم السحرية، فنقف صامتين، ننتظر وننتظر وننتظر، وفي النهاية
تأتي النهاية مخيبة لآمالنا، محطمة لكل ما بنيناه من توقعات وردية. نكتشف حينها أن
انتظار الفرج من غيرنا هو وهم سراب، وأن مصيرنا معلق بأيدينا وحدنا.
إنها لحظات لا تنتهي فحسب، بل تنهش في أعصابنا، تسرق أوقاتنا
الثمينة، وتدمر علاقاتنا التي بنيناها بعناء. هي اللحظات التي تقضي على ثقتنا
بالآخرين، وتحطم يقيننا بأنفسنا، وتزعزع إيماننا بكل ما يحيط بنا. نتحول حينها إلى
غابة بلا قانون يحكمها، إلى أدغال فوضوية لا أسد يهاب ولا فيل يقدس.
إنها اللحظات التي نكرهها بكل جوارحنا، ونكره كل ما يمت لها
بصلة. نصاب فيها بخيبات الأمل المرة التي تترك ندوبًا لا تمحى، وتستبد بنا رعشة
الخوف من الأسوأ القادم، ويسكننا أرق ليلي. نلجأ حينها إلى عزلة قسرية، مبتعدين عن
الناس وعن الواقع المرير، وعن كل ما يؤذي أرواحنا ويصيبنا بخيبات جديدة، تضاف إلى
خيبات المقربين التي لا تزال تنزف في أعماقنا.
إن اللحظات التي لا نريد أن نعيشها، واللحظات التي تؤلمنا حد
الثمالة، هي تحديدًا لحظات الانتظار لشيء خارجي نتوهم أنه سيغير حياتنا جذريًا.
ننتظر المعجزة، ننتظر يدًا غريبة تنتشلنا من بئر اليأس، غافلين عن أن التغيير
الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن الخلاص الحقيقي يكمن في قوتنا الذاتية لا في انتظار
المستحيل.
تعليقات
إرسال تعليق